.::||[ آخر المشاركات ]||::.
كتب صديق عبد الهادي: بعض قضايا... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 2858 ]       »     تنعي منتديات وادي شعير المغفور... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 2642 ]       »     بمزيد من الحزن والأسى تنعى منت... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 695 ]       »     تنعي منتديات وادي شعير المغفور... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 696 ]       »     كتب صديق عبد الهادي: وما الذي ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 3371 ]       »     من الواتساب: أقوال منسوبة للشي... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1162 ]       »     تنعي منتديات وادي شعير المغفور... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1182 ]       »     الراكوبة: لجنة للتحقيق في بيع ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 1760 ]       »     الراكوبة: تكوين لجنة تمهيدية ل... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 1323 ]       »     الراكوبة: محافظ مشروع الجزيرة ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 1629 ]       »    



الإهداءات

العودة   منتديات وادي شعير الأقسام العامة المنتدى العام

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

ايمن سليمان الجبيل
:: عضـو مشارك ::
رقم العضوية : 300
الإنتساب : Nov 2012
المشاركات : 39
بمعدل : 0.01 يوميا

ايمن سليمان الجبيل غير متواجد حالياً عرض البوم صور ايمن سليمان الجبيل



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : المنتدى العام
افتراضي خواطر الغربه
قديم بتاريخ : 01-15-2014 الساعة : 07:55 PM

لا مكانَ في الحياةِ، بالنِّسبةِ للإنسان، أجملُ وأبهى من المكان الذي ولد فيه وترعرع، وتفيأَ ظلالَه وارتوى من فراتِ مائِهِ، فالمكانُ هو تذكُّرٌ لمَراتِع الصِّبا، وضَحكاتِ الطُّفُولةِ البريَئةِ، وهو جزء من كِيانِ الإنسانِ، فمهما ابتعد عنه، وشطت به الدارُ، فلا بد أن تبقى أطلالُ بلادهِ في ثنايا مُخَيّلتِه، وهذا جُزْءٌ يَسِيْرٌ مِنَ الوفاءِ لهذه الأرضِ التي حملتكَ على ظهْرها وأنتَ تحبو، ثم وأنتَ تخطو، ثم تمشي، ثم بعد انتهاء الأجل تدفن فيها. فما أرأفها!

وكثير من الناس من ارتشف شراب الهجر والغربة، في كؤوس من الحنين والأشواق...

وكم من مغترب قال بلوعةٍ بيتَ الطائي:
كمْ منزلٍ في الأرضِ يَأْلفهُ الفتَى وحنينهُ أبداً لأوّلِ مَنزلِ

وكم من مهاجرٍ يتغنى صباحَ مساء:
بلاديْ وإنْ جارَتْ عليَّ عزيزةٌ وأهلِي وإنْ ضنُّوا عليَّ كِرامُ

ومثله لفوزي معلوف:
مهمَا يَجُرْ وطَني عليَّ وأهلُه فالأهْلُ أهلِي والبلادُ بلادِي

والكلُّ يعلم أنّ طريق الهجرة وعرةُ المسلك، ومليئةٌ بالمنغّصات، ومهما بقي الإنسان في بلاد الغربة فاسمه "غريب"، ولن يجد قلباً حنوناً، بين الحجارة الصماء، مما حدا بالقَرويِّ في قروياته أن يقول بعدما أفنَتِ الغربةُ شبابَه:
دفنتَ ربيعَ عُمرِك في بلادٍ لها طالتْ لياليكَ القِصارُ
بلادٌ ربّما فيها كِرامٌ ولكِنَّ اللئامَ بها كثارُ
إذا لمْ تحوِ تربتُها حِجارا فبيْنَ ضلوعِ أهليها الحِجارُ

وتبقى ساعةُ الوداع مؤثّرة، والوقوفُ على الأطلال يرافقه البكاء، حتى الصحابة رضي الله عنهم، عندما هاجروا إلى المدينة - كما تذكر عائشة رضي الله عنها - تذكّروا مكة وجبالهَا، وخاصة أنّ المدينة أوبأُ أرض الله من الحمّى، وقد أصابت الحمّى بعضَ الصحابة، وكان بلالٌ إذا أقلع عنهُ الحمّى اضطجعَ بفناء البيت ثمّ يرفعُ عقيرتَه ويقول:
ألا ليتَ شِعْري هل أبيتنّ ليلةً بوادٍ وحَوْلي إذْخرٌ وجَليلُ
وهل أَرِدَنْ يوماً مِياه مَجنّةٍ وهل يبدوَن ليْ شَامَةٌ وطَفِيلُ

قالت عائشة رضي الله عنها: ثم إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: "اللّهم حبِّبْ إلَينا المدينةَ كحبِّنا مكّةَ، اللّهم وصحّحها وبارك لنا في مُدّها وصاعِها، وانقلْ حُمَّاها واجعَلْها بالجحفَة"

فغرس الله بعد ذلك حبَّ المدينة في قلب الصحابة ومَنْ بعدهم أبدَ الدهر.

ويبقى السؤال:
لماذا يحنّ الإنسان إلى بلاده؟

أجاب البعض جواباً جميلاً فقال:
"وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم، ولا يفهمونَ العلّةَ في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدةٍ لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستَعدِيه على رجلٍ من التجار، يعرف بابن أبي كامل، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها، بقوله:
ولي وطنٌ آليتُ ألاّ أَبيعهُ وألاّ أرى غيريْ لهُ - الدهرَ - مالِكا
عهِدتُ به شَرْخَ الشبابِ ونعمةً كنِعْمَةِ قوم أصبحُوا في ظِلالِكا
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ عهودَ الصِّبَا فيها فحنُّوا لذلِكا
لقد ألِفَتهُ النفسُ حتى كأنّهُ لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالكا"

وقال بعض الأعراب قريباً من هذا، وعلّل بكاءَه وشوقه بأمرينِ اثنين، ومرحلتين جميلتين في حياة الإنسان، براءةِ الطفولة، وفتوةِ الشباب:
ذكرتُ بلاديْ فاستهلَّتْ مَدَامِعي بشوقي إلى عَهْدِ الصِّبا المتقادِمِ
حَنَنْتُ إلى أرضٍ بها اخضرّ شارِبي وقُطِّع عني قَبل عقدِ التّمائمِ

وعندما طال مقام ابنُ الرومي بسُرّ من رأى, قال أيضاً وهو يتشوّق إلى بغداد:
بلدٌ صحِبْتُ به الشبيبة والصِّبا ولَبِسْتُ ثوبَ العيشِ وهْوَ جديدُ
فإذا تمثَّلَ في الضميرِ رَأيتُهُ وعلَيهِ أغصانُ الشَّبابِ تمِيدُ

وكثيراً ما رأينا الشعراء يتشوقون إلى نجد، ويكثرون من ذكرها في أشعارهم، فها هو الصّمّة بنُ عبد الله القشيريّ يقول:
قِفا وَدِّعا نَجْداً ومَنْ حَلَّ بالحِمى وقَلَّ لَنَجْدٍ عِنْدَنا أَنْ يُوَدَّعا
وأَذْكُرُ أيَّامَ الحِمَى ثُمّ أنْثَنِي على كَبِدِي مِن خَشْيَةٍ أَنْ تَصَدَّعا
فلَيْسَتْ عَشِيّاتُ الحِمَى برَواجِعٍ عليكَ، ولكنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعا

وهذا أبو عمرٍو البجليُّ يقول:
أقولُ لصاحبي والعيسُ تَخْدِي بنا بَين المُنِيفة فالضِّمارِ
تَمتَّعْ مِن شَمِيم عَرار نَجْدٍ فما بَعْدَ العشِّيةِ مِنْ عرارِ
ألا يا حبَّذا نفحاتُ نَجدٍ وريَّا رَوْضِه غبَّ القِطار
وأهلك إذ يحلّ القومُ نجداً وأنت على زمانِك غيرُ زَارِ
شهورٌ يَنْقَضِينَ وما شعرْنا بأنصافٍ لهن ولا سِرَارِ

وقد يحنُّ الإنسان إلى أرض لم يرَها ولم يسكنْها، ولكن قلبَه تعلق بها، أعني مكةَ والمدينةَ المنوَّرة. كيف لا وقد جعل الله القلوب تهوي إليها؟! أمَا قال الله - عز وجل - في كتابه على لسان إبراهيمَ عليه السلام: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [سورة إبراهيم: 37].

فالشاعر محمد إقبال يقول في رائعة من روائعه الشعرية:
أشواقُنا نحْوَ الحجازِ تطلَّعَتْ كحَنينِ مُغترِبٍ إلى الأوطانِ
إنّ الطُّيورَ وإنْ قصَصْتَ جناحَها تسمُوْ بفطرَتِها إلى الطَّيَرانِ
إنْ كان لي نَغَمُ الهُنودِ وَلحنُهُمْ لكنَّ هذا الصّوتَ مِن عدنانِ[8]

وعندما كنتُ على أطلال مكة قلت:
يا طالَما شاهدتُ طيفَكِ في الكَرى ورأَيْتُ كلَّ الحُسْنِ فِيكِ تَصَوَّرا
يا طالما شبَّ الغَرامُ بخافِقِي والجَفْنَ في عينيَّ حبُّكِ أَسهَرا
يا طالما حَمَّلتُ يا أقصى المُنَى ريحَ الصَّبا منِّي السَّلامَ إذا سَرَى
ولَكَمْ بعثتُ معَ النَّسِيمِ قصيدةً والنَّفسُ وَلْهَى والفؤادُ تَحَسَّرا
والقَلْبُ منِّي كم يغادرُ أضلُعِي ويَهِيمُ وجْداً إنْ رُؤَاكِ تذكَّرا!
ولكَمْ تشبَّثَ في المطايا مُدْنَفاً وطلبتُ منه العَوْدَ لكِنْ أَنْكَرا!
وإذا الحُداةُ ترنَّموا بحُدائهمْ وحُداؤهمْ من غيرِ خَمْرٍ أَسكَرا
ألفَيْتِنِي أبكي كطِفلٍ كلّما رحَلوا إليكِ، ونورُ وجهِكِ أسفَرا
أتجرَّع الحسراتِ، أرتشفُ الأسى لله كم سَالتْ دموعي أنْهُرا!
يا طالَما أرجوْ وصالكِ بُرهةً واليومَ جئتُ إليكِ يا أمَّ القُرى

ومما قلت وأنا على أطلال المدينة:
على أطلالِ طيبةَ هامَ قلبي فوا لهفي.. متى فيها أكُوْنُ؟
وأطلالُ المدينة لي تراءتْ ونورُ المصطفَى نورٌ مُبِيْنُ

وبعضهم يحن إلى العراق، ويطلب من النسيم أن يحمل السلامَ إلى البلد التي استفاد منها الغرام، فتراه يقول:
أَلا يا نَسيمَ الريحِ مِن أَرضِ بابلٍ تَحمَّل إِلى أَهلِ العِراق سَلامي
وإني لأهوَى أنْ أكونَ بأرضِهم على أنني منها استفدتُ غَرامي

والآخر يجعل هواءَ بغدادَ مؤرِّقاً له، ومُهيِّجا لأشواقه:
طِيبُ الهَواء ببغدادٍ يؤرِّقُني شَوقاً إليها وإن عاقتْ مَقاديرُ
فكيفَ أصبرُ عنها الآنَ إذ جمعتْ طيبَ الهوائين: ممدودٌ ومقصورُ؟؟

كما أن الشاعر اللبنانيَّ رشيدَ أيوبَ، عندما رأى الثلجَ يتساقط في المهجر، تذكّر ثلجَ بلاده، وأهلَه وأمَّه وأشياءَ أخرى ذكرها في قصيدته التالية:
يا ثلجُ، قد هيّجتَ أشجاني ذكَرتني أهليْ بلُبنَانِ
باللهِ عَنّي قُل لإخواني ما زالَ يرعَى حُرمةَ العهدِ
يا ثلجُ قد ذكّرتني الوادي مُتَنَصّتاً لِغَديرِه الشّادي
كم قد جَلَستُ بحضنه الهادي فَكأنّني في جَنّةِ الخُلدِ
يا ثلجُ قد ذكِرتني أمّي أيّامَ تقضي الليلَ في همّي
مشغوفةً وتحَارُ في ضَمّي تحنو عليّ مَخافَةَ البردِ
يا ما أُحَيلى النجمَ إنْ لاحا والثلجَ يكسو الأرضَ أشباحَا
والشّاعرَ المسكينَ نَوّاحَا يقضي اللّياليَ فاقدَ الرُّشدِ

والشاعر ابن الأبَّار بكى وطنه بقصيدة رائعة, أكثر فيها من التأوُّهِ, ومن ترويع الفراق, ومن عبرات البعد يقول:
أَبَيْنٌ واشتياقٌ وارتياعُ؟ لقد حُمِّلتَ ما لا يُستَطاعُ
تملّكني الهوى فأطعتُ قسراً ألاَ إنّ الهوى ملِكٌ مطاعُ
وروَّعني الفراقُ على احتمالي ومَن ذا بالتفرُّق لا يُراعُ؟
وليس هوى الأحبة غَير عِلقٍ لديَّ فلا يُعارُ ولا يُباعُ
فَلِلعبَراتِ بَعدهمُ انحدارٌ وللزفَرَات إثرَهُمُ ارتفاعُ
نأَوْا حقاً ولا أدري أيُقضَى تلاقٍ؟ أو يُباح لنا اجتماعُ؟

وكذلك عندما رأَى عبدُ الرحمن الداخلُ نخلةً برصافته أثارتْ فيه هذه النخلةُ شجونَه، فرآها شبيهةً به؛ فكِلاهما غريبٌ عن وطنه، فقال:
تبدَّت لنا وَسْطَ الرّصافةِ نخلةٌ تناءتْ بأرضِ الغَرب عن بلدِ النخْلِ
فقلت: شبيهي في التغرّبِ والنّوَى وطولِ اكتئابي عن بنيَّ وعن أهلِيْ
نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ فمثلكِ في الإقصاء والمُنتأَى مِثليْ
سقتكِ غواديْ المُزْنِ في المنتأى الّذي يسحُّ ويَستمرِيْ السِّماكَينِ بالوَبْلِ

وهو مقسَّمُ القلب بين الأندلس وبين المشرق، لذلك نراه يقول:
أيّها الراكبُ الميمِّمُ أرضيْ اِقْرَ منّي بعضَ السلامِ لبعضِيْ
إنّ جسميْ - كما تراهُ - بأرضٍ وفؤادِيْ ومالكِيهِ بأرضِ
قدّر البين بيننا فافترقْنَا وطوَى البينُ عن جفونيَ غمضِيْ

ولابن خفاجة كذلك قصيدةٌ رائعة في التشوق إلى الوطن مطلعها:
أجبتُ وقد نادَى الغرامُ فأسمَعَا عشيةَ غنّانيْ الحمامُ فرجَّعَا

وإنني عندما كنت في مصر كان طيفُ مدينة حماةَ في مخيِّلتي، ونظمت قصيدة في الشوق والحنين إليها، منها:
أحنُّ إلى ربوع حماةَ شوقاً وأذكرُ ماضياً عذباً جميلا
نواعيرُ المياه بلا فُتورٍ تقلِّبُ في حماةَ السَّلسبِيلا
أحنُّ إلى أبي وأخيْ وأمّيْ وأذكُرُ يومَ أزمعتُ الرّحِيلا
تقولُ الأمُّ: يا طفليْ سلاماً وربُّ الكونِ يَهديكَ السَّبيلا
إذا بَعُدتْ ديارُ الأهلِ عنّي غدَا قلبيْ بساحتِهِمْ نَزيلا

والإنسان يتشوق ويحن للوطن والأهل في ديار الغربة بجميع الأحوال، فكيف به إذا كان أسيراً وفي ديار الغربة؟! لا بد أنه سوف يتجرع ألم النوى، وعلقم البعد والفراق، ولا نزال نذكر قصيدة أبي فراس الحمْدانيِّ الرائعةَ التي قالها عندما كان أسيراً، وسمع حمامةً تنوح على شجرةٍ عاليةٍ بقربهِ، فأراد منها أن تشاركه في أحزانه، وتحملَ عنه بعض الهموم، فقال يخاطبها:
أقولُ - وقد ناحتْ بقربي حمامةٌ -: أيا جارَتا، هلْ باتَ حالُكِ حاليْ؟
أتحْمِلُ محزونَ الفؤادِ قوادمٌ على غُصُنٍ نائيْ المسافةِ عاليْ؟
تعالَيْ ترَيْ رُوحاً لديَّ ضعيفةً تَرَدَّدُ في جسمٍ يعذَّبُ، بالِ
أيضحَكُ مأسورٌ وتبكي طليقةٌ ويسكتُ محزونٌ ويُندَبُ سالِ؟
لقد كنت أولى منكِ بالدَّمعِ مُقلةً ولكنَّ دمعِي في الحوادثِ غالِ

وقد كتب إلى ابنِ عمِّهِ سيفِ الدولة من الأَسْر:
وما كنتُ أخشى أنْ أبِيتَ وبينَنا خليجانِ والدَّربُ الأشمُّ وآلسُ
تشوّقنيْ الأهلُ الكرام وأوحشَتْ مواكبُ بَعديْ عندَهُمْ ومَجالِسُ

وعندما غادرَ مدينة حلب قال:
سقى ثَرى حلبٍ ما دمتَ ساكنَها يا بدْرُ غيثانِ: مُنْهَلٌّ ومُنبجسُ
أسيرُ عنها وقلبي في المقامِ بِها كأنّ مُهريْ لثقْلِ السَّيرِ محتبسُ


وتبقى الغربة غربةً، والهجرُ هجراً، ويبقى ترابُ الوطن خيراً من الغربة وذهبها، فالإنسان يأْلف بلاده ويهواها حتى وإن لم تتوفر فيها مقومات الحياة البسيطة، لذلك قال الشاعر:
بلادٌ ألِفناها على كلِّ حالةٍ وقد يؤْلَفُ الشيءُ الّذي ليسَ بالحَسَنْ
وتُستعذَبُ الأرضُ التي لا هَوَاْ بها ولا ماؤُهَا عَذْبٌ ولكنّها وطَنْ

وحتى إذا كان يعيش في بلاد الغربة مع الطبقة الراقية، وفي قصور الأسياد والأمراء "فالشاعرُ الأعشى مقِيم بين سادات نجرانَ منعّماً، ولكن نفسه مشتاقة إلى العراق، وحوله مطايا أصحابه مثله, ليس لهم همٌّ إلا الوصول إلى العراق، لذلك يقول:
واضعاً في سراةِ نَجْرانَ رَحْلي ناعماً، غير أنني مُشتاقُ
في مطايَا أربابُهُنَّ عِجالٌ عن ثَواءٍ وهمُّهُنَّ العِراقُ

ولعلّ خير شِعرٍ يُظهر العلاقة المتينة بين المغترب ووطنه قولُ حاتم الطائي - وهو في الحيرة - مخاطباً جبلَي طيئ:
فقلت: ألا كيفَ الزّمانُ علَيكُما؟ فقالا: بخيرٍ.. كلُّ أرضكَ سائلُ"

ولعلَّ الوقوف على الأطلال، وبكاءَ الديار وأهلِها، من أروع الصفات التي تميز شعرَ الأسى والاغتراب والترحال وكلما ذكر الوقوف على الأطلال والبكاء، ذُكر امرؤُ القيس ومعلقتُهُ التي مطلعها:
قِفَا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بسِقْطِ اللِّوَى بينَ الدَّخُولِ فحَوملِ
فتوضحَ فالمقراةِ لمْ يعف رسمُها لما نسجتْها مِن جنوبٍ وشَمألِ

"وقد عدّ القدماء هذا المطلع من مبتكراته، إذ وقف واستوقف وبكى وأبكى من معه وذكر الحبيب والمنزل"

وكذلك النابغة الذبياني فقد بدأ معلقته بالوقوف على الأطلال عندما قال:
يا دار ميّة بالعلياء فالسَّنَدِ أقوَتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ
وقفتُ فيها أصيلاً كي أسائلَها عيّتْ جواباً وما بالرَّبعِ مِن أَحدِ
أضحتْ خلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا أخنَى عليها الّذي أخنَى على لِبَدِ

فنادى الديار لا أهلها، أسفاً عليها وتشوّقاً إليها.

ومن أروع ما قرأت في تصوير الوقوف على الأطلال، قولُ جعفر بن أحمد السراج البغدادي:
وقفنا وقدْ شطّت بأحبابنا النَّوى على الدّارِ نبكِيها سقى رَبعَها المزْنُ
وزادتْ دموعُ الواكفين برسمِها فلو أرسلتْ سُفْنٌ بها جرَتِ السُّفْنُ
ولم يبقَ صبرٌ يُستعانُ على النّوى بهِ بعدَ توديع الخليطِ ولا جَفْنُ
سألْنا الصَّبا لما رأينا غَرامَنا يزيدُ بسكّانِ الحِمى والهوَى يدنُوْ:
أفيكِ لحملِ الشوقِ يا رِيحُ مَوضعٌ فقدْ ضعفتْ عن حملِ أشواقِنا البُدْنُ

وقد يرحل الإنسان عن بلده ولا يعود إليها؛ بل يموت غريباً، فامرؤ القيس عندما "صار إلى بلدةٍ من بلاد الروم تدعى أنقرة احتُضر بها، ورأى قبر امرأةٍ من أبناء الملوك هناك، قد دُفنت في سفح جبلٍ يقال له عسيب، فسأل عنها، فأخبر بقصتها فقال:
أجارَتَنا إن المزارَ قريبُ وإنّيْ مُقيمٌ ما أقامَ عسيبُ
أجارتَنا إنَّا غريبانِ ها هُنا وكلُّ غريبٍ للغَريبِ نَسِيبُ


ثم مات فدُفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك"

ويطلب مرار بن هباش الطائي ممن يحمل جنازته، أن ينزلوه في وطنه، ويدفنوه تحت ثراه:
سقى الله أطلالاً بأخيلةِ الحِمَى و إنْ كنَّ قد أبدَيْنَ للناسِ ما بِيَا
منازلُ لوْ مرّتْ بهنَّ جِنازتي لقال صدايَ: حامليَّ انْزِلا بِيَا

وقدْ يعُود الإنسان إلى وطنِه، بعد فراقٍ طويلٍ، وعندما يصِلُ إلى أطلاله، تمتزج ذكرياتُ أطلال الهجرة، مع ذكريات أطلال العودة، فيناجيه قائلاً:
وطنَ النجومِ، أنا هُنا، حدّقْ.. أتذكُرُ مَن أنا؟
ألمحتَ في الماضيْ البعيدِ فتًى غريراً أَرعنَا؟
جذلانَ يَمرحُ في حقولكَ كالنّسيمِ مُدندِنَا
أنا ذلكَ الوَلَدُ الّذي دُنياهُ كانت ههُنَا!
أنا مِن مِياهكَ قطرةٌ فاضتْ جداولَ مِن سَنا
أنا مِن تُرابكَ ذرّةٌ ماجتْ مواكبَ مِن مُنَى
أنا مِن طيوركَ بُلبلٌ غنّى بمجدكَ فاغتنَى
حمَلَ الطّلاقة والبشاشةَ مِن ربوعكَ للدُّنا
كم عانقتْ روحِيْ رُباكَ وصفّقتْ في المُنحنَى!


وأخيراً؛ وللأمانة:
قد يعيش الإنسان لفترةٍ ما في وطنٍ غيرِ وطنه، وأرضٍ غيرِ أرضه، ويدخلها بداية غيرَ محبٍّ لها، لظروفٍ أجبرتهُ على الرّحيل، ولكنه ربَّما يحبُّ ذاكَ الوطن، ويحب أهله، لأنهم طيبون وجديرون بالمحبة، فالمحبة والطِّيب لا يعرفانِ وطناً ولا أرضاً، ولكنْ مهْمَا عاش بينهم فلا بدّ أن يفارقهم، ليعودَ إلى وطنه، مردّداً في طريق العودة:
دَخَلْنا كارِهينَ لهَا فلمّا ألفْناها خرجنا مُكرَهِينَا
وما حبُّ الدِّيارِ بنا، ولكِنْ أَمَرُّ العَيشِ فُرْقَةُ مَن هَوِيْنَا
تركتُ أقرَّ ما كانتْ لعَينيْ وخلّفتُ الفؤادَ بها رَهِينَا

ايمن الجبيل


عمر محمد الأمين
:: عضو نشـــط ::
رقم العضوية : 3
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 3,281
بمعدل : 0.88 يوميا

عمر محمد الأمين غير متواجد حالياً عرض البوم صور عمر محمد الأمين



  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-17-2014 الساعة : 11:15 AM

أيمن
شكرا على هذه السياحة الإبداعية في الغربة
وللغربة إيجابيات و سلبيات ولكنها في الحالين تشحذ الإبداع و تقوي من إحساس الفرد بالانتماء لوطنه ولجماعته والافتخار بكل ذلك ولذكريات طفولته ومرابع أهله،
كما تعينه على اكتشاف ما عند الآخرين وكيف يستفيد من مفيده وتجنب سيئه.
دمت



ايمن سليمان الجبيل
:: عضـو مشارك ::
رقم العضوية : 300
الإنتساب : Nov 2012
المشاركات : 39
بمعدل : 0.01 يوميا

ايمن سليمان الجبيل غير متواجد حالياً عرض البوم صور ايمن سليمان الجبيل



  مشاركة رقم : 3  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-17-2014 الساعة : 11:58 AM

لك التحيه الجد عمر انا ما تجود به بنات الافكار وينزل قطره على المنتدى منى او من غير لا يعتبر شئ يزكر بالنسبه لما نجده منكم من ابداع ولكم منا التحيه والتجله
الجدعمر
الهادى الامام
الزهاوى
الجيلى
هشام طه
وجميع اهلى
ودمتم بامان الله ورعايته

ايمن الجبيل


الهادي الامام محمد
:: عضــو متميِّــز ::
رقم العضوية : 11
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 410
بمعدل : 0.11 يوميا

الهادي الامام محمد غير متواجد حالياً عرض البوم صور الهادي الامام محمد



  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-18-2014 الساعة : 06:07 PM

التحية لك اخونا ايمن رد الله غربتنا وغربتكم
استعذبني ما قاله الشعراء في الغربه عن الاوطان والحنين والشجن والحب والبكاء على الاطلال وقد انكأت جرحا منوسر ما طاب ولا استطاب ، سئل اعرابي - ما الحداك على المر ؟ فاجاب الامر ! وان كان هناك درسا وحدا نتعلمه من هذا الغربه فليكن ( ابدا ما هنت سوداننا يوما علينا)
- ماذا حصل للطبيبه


عمر محمد الأمين
:: عضو نشـــط ::
رقم العضوية : 3
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 3,281
بمعدل : 0.88 يوميا

عمر محمد الأمين غير متواجد حالياً عرض البوم صور عمر محمد الأمين



  مشاركة رقم : 5  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-19-2014 الساعة : 04:42 AM

يا شيخ الهادي هذا الكاريكاتير ليس موجها إلى أيمن وبقية الشباب
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
و العراف عزو مستريح!!

وهاك مكواة الفحم دي
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ومعاها مشلعيب كمان
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الهادي الامام محمد
:: عضــو متميِّــز ::
رقم العضوية : 11
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 410
بمعدل : 0.11 يوميا

الهادي الامام محمد غير متواجد حالياً عرض البوم صور الهادي الامام محمد



  مشاركة رقم : 6  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-20-2014 الساعة : 10:18 AM

نحن في الدرجه الثانيه من الكاركتير لسه الباقي درجه من نهاية المطاف - اما المشلعيب نا س ايمن ديل ما عارفنه ويمكن المكوه كمان - كدى اديهم نبدذه عنه وما يعوضع فيه الحاجات


عمر محمد الأمين
:: عضو نشـــط ::
رقم العضوية : 3
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 3,281
بمعدل : 0.88 يوميا

عمر محمد الأمين غير متواجد حالياً عرض البوم صور عمر محمد الأمين



  مشاركة رقم : 7  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-21-2014 الساعة : 09:37 AM

أولا لابد من الوقوف عند المراحل الثلاث للكاريكاتير:
1. لابد من ملاحظة الشعر الأفرو - وكان الموضة في وقتها – والكثيرون كانوا يحتفظون في جيب بنطلون الجينز الخلفي بخلال لنفش وتمشيط الشعر! مع ملاحظة وجود المسجل لزوم سماع الأغاني العاطفية خاصة مع الأحلام الوردية بغد جميل!!
2. في المرحلة الثانية اختفى الشعر الأفرو وبدأت الصلعة (والبعض كان يطمن نفسه بأنها جلحات فقط!!) ومعها النظارات و العصا واختفى المسجل وحل محله الراديو لسماع الأخبار ونشرة الساعة 8 مساء المشهورة!!
3. في المرحلة الثالثة اختفى الشعر وظهرت الطاقية واختفت القمصان الملونة و المزركشة وظهرت الجلابية مع ملاحظة اختفاء المسجل و الراديو وظهور الأدوية وملعقة تناول الدواء وعصا موسى وتقلصت الأحلام إلى رجوع وبس!! لاغانمين لا سالمين

أما عن مكواة الفحم فأمرها عجب !!
أولا يتم إعداد نار الفحم في المنقد وبعد ما يمسك الفحم ينقل الجمر إلى المكواة – وهي مزودة بفتحات للتهوية ونزول الهبود في الأسفل وهذه الفتحات يمكن أن تشكل مصدر خطر على الملابس لو وقعت منها جمرة صغيرة أو طارت منها شرارة لأنها ستحرق الجلابية أو العمة أو الثوب.
و يجب أن يكون مع المكواة كرسي المكواة وهذا هام ولازم وذلك لوضع المكواة عليه أثناء عملية الكي حيث تكون ساخنة وإذا تركت على الثياب أحرقتها وإن وضعت في الأرض ستشكل لطع على الملابس!!
وكرسي المكواة خطر جدا أثناء عملية الكي وبعدها حيث تنتقل إليه الحرارة ويصبح ساخنا لا يمكن لمسه او تحريكه باليد! وما أكثر الحوادث والقصص لولد شالق أوبت روشة ختفت الكرسي بسرعة ثم رمت به بعيدا وهي تصرخ و تولول وبعد شوية اليد تبقق و الجو العام يتكهرب! وتسمع الصياح والدعا و الصرخي!!
==
أما عن المشلعيب فقد أوفيناه حقه في بوست آخر مع بكري !!


ايمن سليمان الجبيل
:: عضـو مشارك ::
رقم العضوية : 300
الإنتساب : Nov 2012
المشاركات : 39
بمعدل : 0.01 يوميا

ايمن سليمان الجبيل غير متواجد حالياً عرض البوم صور ايمن سليمان الجبيل



  مشاركة رقم : 8  
كاتب الموضوع : ايمن سليمان الجبيل المنتدى : المنتدى العام
افتراضي
قديم بتاريخ : 01-24-2014 الساعة : 04:54 AM

لكم التحيه الجد عمر والاستاز الهادى
اما نحن فقد تعدينا المرحله الثالثه ونرجو من الله ان يعيدنا سالمين غانمين
الى ديارنا

إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الغربه


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 01:47 AM بتوقيت مسقط

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
الاتصال بنا شبكة ومنتديات وادي شعير الأرشيف ستايل من تصميم ابو راشد مشرف عام منتديات المودة www.mwadah.com لعرض معلومات الموقع في أليكسا الأعلى