.::||[ آخر المشاركات ]||::.
البداية من مشروع الجزيرة --- ع... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 35 ]       »     طبيعة المعركة.. بقلم: د. عبد ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 47 ]       »     الخطوات الأولي على درب الحكم ا... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 34 ]       »     التفاوض والوساطة.. بقلم: د. ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 38 ]       »     الجيش السوداني: أسد علينا وفي ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 53 ]       »     الشباب واستكمال الاستقلال المن... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 48 ]       »     ماذا تعلّمنا وأين نحن؟ --- د... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 55 ]       »     منهج المشاركة والتوافق والتطور... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 46 ]       »     بمزيد من الحزن والأسى تنعي منت... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 140 ]       »     ويبقي الأمل.... ما أضيق العيش ... [ الكاتب : عمر محمد الأمين - آخر الردود : عمر محمد الأمين - عدد الردود : 0 - عدد المشاهدات : 54 ]       »    



الإهداءات

العودة   منتديات وادي شعير الأقسام العامة منتدى السياسة والفكر والأدب

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

عمر محمد الأمين
:: عضو نشـــط ::
رقم العضوية : 3
الإنتساب : May 2010
المشاركات : 3,202
بمعدل : 0.96 يوميا

عمر محمد الأمين غير متواجد حالياً عرض البوم صور عمر محمد الأمين



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى السياسة والفكر والأدب
افتراضي أساس الفوضى (48) .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
قديم بتاريخ : 01-31-2019 الساعة : 02:00 PM

أساس الفوضى (48) ..
بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
[email protected]


===
بسم الله الرحمن الرحيم
دور الدِّين بين الحكم الراشد والاستبداد:
سبق وأن قلنا إنَّ الدِّين في جوهره هو تخليص للإنسان من كلِّ العبوديَّات لعبوديَّة من خلقه مُعزَّزاً مُكرَّماً لا يذلُّه أحدٌ، ولا يخاف إلا من خالقه، وإذا شارك ذلك خوف آخر فهو شرك ظاهر أو خفي. والفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه علم العلاقة بين دور الدين التحريري وبين الإنسان وهو رفعة إنسانية الإنسان حرّ الإرادة، ونبَّه عن كيفية دور الدولة الاستبدادي والذي يمكن أن يكسر نفسية الإنسان ويحطِّم إيمانه ويمهِّد نفسه للشرك لخوفه على حياته ولذلك يقول: " ولا تضربوا أبشارهم فتذلُّوهم "، ويقول أيضاً: "وسبابُ المسلمِ فسوقٌ وقتالُه كفرٌ".
وقد أثبتنا أنَّ الخالق لم ولن يُقسر أحداً على اختيار مرتبة العبوديَّة وإنَّما أعطي الإنسان كامل الحريَّة للاختيار بعد أن زوَّده بما يساعده على الاختيار المُعافي، وعليه فقد انتفت الأيديولوجيَّة من الدِّين. وهذا يعني أنَّ أيِّ إكراه باسم الدِّين ليس من الدِّين في شيء.
والواجب الانتباه أن الله الذي خلق الإنسان لم يقطع عطاء الربوبية عنه رغم كفره وجحوده وأخَّر حسابه حتى يموت. وفي هذا مثل للقائد تجاه مواطنيه أنَّه لا يهمَّه صحة إيمانهم أو عدمه، ولا ولاءهم من عدمه، وإنَّما يهمَّه أن يعدل بينهم ولا يقطع عنهم العطاء، وإن أنكروا صنيعه، ولا يؤثر به آخرين دون آخرين، ولا يعاقبهم حتى يخطئوا في حقِّ المجتمع لا في حقِّ الله لأنَّ الله كفيل بعبيده يحاسبهم متي شاء.
والله سبحانه وتعالى لم يوكل الخلافة للإنسان ليقوم بدور الملك من حساب وعقاب على الإيمان ولكن ليقوم بدور الرب الذي عمَّر الدنيا للإنسان فإن لم يزد في العمران فلا ينقص فيه وأهم عمران هو عمران نفس الإنسان.
ولأنَّ الملك الحق لا يصح إلا في حقِّ الله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، فلا يصح للقائد أو الحاكم أن يملك الناس، ولا أن يحكم عليهم ولكن أن يحكم بينهم بالعدل، والحكم في الجريمة ليست على الإنسان ككائن ولكن على فعله فإن أساء عوقب أو عفي عنه وإن أحسن أثيب.
هذا ما فهمه قادة المسلمين في عهدهم الأول وطبقوه فنزعوا ذاتيتهم من أحكامهم وجعلوا أعمالهم لله لأنَّهم خافوه وأدركوا وجوده معهم أينما كانوا. ويروي سيدنا عبدالله بن العباس رضي الله عنه:
"قَدِم عُيينةُ بن حصن بن حذيفة بنِ بَدرٍ، فنَزَل على ابنِ أَخيهِ الحُرِّ بنِ قيسِ بنِ حِصْنٍ، وكان مِن النَّفرِ الَّذين يُدْنيهُم عُمرُ، وَكان القُرَّاءُ أَصحابَ مَجلسِ عُمرَ ومُشاورَتِه، كُهولًا كانوا أو شُبَّانًا، فَقال عُيَينةُ لابنِ أَخيهِ: يا ابنَ أَخي، هل لكَ وَجهٌ عِندَ هَذا الأَميرِ فتَستأذِنَ لي عَليهِ؟ قال: سأَستَأذِنُ لكَ عليهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: فاستَأذَن لِعُيينَةَ، فلمَّا دَخَل قال: يا بنَ الخطَّابِ، واللهِ ما تُعْطينا الجَزْلَ، ولا تَحكُمُ بَينَنا بالعَدلِ، فغَضِب عُمرُ حتَّى همَّ بأنْ يَقعَ بِه، فقال الحُرُّ: يا أميرَ المُؤمنينَ، إنَّ اللهَ تَعالى قال لِنَبيِّه ﷺ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هَذا منَ الجاهلينَ، فواللهِ ما جاوَزَها عُمرُ حينَ تَلاها عليهِ، وكان وقَّافًا عندَ كِتابِ اللهِ.
هذا ديدن الإمام العادل عمر بن الخطاب فما هو ديدن أئمة الظلم؟
وبعد أن تكالبت على الإنسان أدوات الاستبداد وانتزعت حريَّته، وانتهكت كرامته، حتى اختفت مبادئ المساواة أمام الخالق الواحد الأحد من عالم الإنسان، كان لا بُدَّ لهذا الخالق العدل أن يعدل كفَّتي الميزان بإرسال الرُّسل ليعيد حريَّة الإنسان وكرامته إلى ما تجب أن تكون. وهكذا هي المعركة بين جبابرة الأرض يذلُّون الإنسان وبين جبَّار السماوات والأرض يرفع مكانه ويكرِّمه في القرون السابقة للمصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد كان في اختيار المولى عزَّ وجلَّ للمصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم من وسط لا هو بالبادية ولا بالحضر، وإن كان أقرب للبادية أخلاقاً، فهو لإحساسه الطَّبيعي بقيمة حريَّته وكرامته وعدم تشوّهه النَّفسي مع أنَّ مجتمعه استعبد النَّاس. وقد كان أقرب النَّاس لمبادئ الإخوة الإنسانيَّة بدليل أنَّه تبنَّى سيدنا زيد رضي الله عنه، وكان أكثر النَّاس رحمة وأمانة حتى عرف بذلك واشتهر، وبلا طاغوتيَّة في قلبه وسلوكه، ولذلك فقد قدَّم مثالاً للعافية النَّفسيَّة المتكاملة، ولذلك لم يكن من الصعب عليه أن يتجاوز الحاجب النَّفسي الاجتماعي الذي نشأ عليه في قريش، وينفذ إلى لبَّ الإنسانيَّة، فيرى النَّاس سواسية في جوهرهم، ويرى قابليَّتهم للتَّطوُّر والإبداع.
ولذلك فقد قدَّم مثالاً للقيادة لم يسبقه إليه أحد سار عليه الخلفاء الرَّاشدين تقدَّمت فيه المبادئ على الذَّرائعيَّة، فكان العدل هو ميزان الأمور لأنّ النَّاس سواسية أمام القانون وفي القيمة الإنسانيَّة لا يفرِّقهم عنصر ولا عرق ولا لون ولا طبقة. هذه ثقافة التَّحرُّر في مقابلها ثقافة الخضوع والتي يستوي فيها الظاهر مع محتوى الباطن. ولا يكون الفساد إلا بالعدول عن الحق إلى الباطل وإن طغى الفساد وزان في عين الناس.
وأوَّل انكفاء لهذا النَّسق تمَّ على يد سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فابتدأ الاستبداد السياسي الذي لحقه التَّمييز الطبقي، والتَّشوُّه النَّفسي نتيجة الخنوع، ولكن فقد كانت هناك إشراقات عابرة لأنَّ مؤهِّلات القيادة كانت لا تعوزها الحكمة تماماً في سياسة البشر بتقريبهم وشراء رضاهم بالمعاملة الحسنة وبالمال.
ولكن العهد الأموي لم يدفع بالأمَّة إلا للحرب لصرفهم عن التفكير في حقوقهم وشغلهم بأنفسهم إذ في إقامتهم وتعلمهم رفع لوعيهم الفكري والسياسي ولذلك لم يوجههم للعلم لأنَّ العلم كان مصدر خطر على الحاكم فاستبدلت الانشغال بالعلم الدِّيني بالانشغال بالأدب وخاصَّة الشعر مما يعني ضمور الفكر والاعتماد على المواهب المتفردة.
وبرغم استمرار الاستبداد في العهد العبَّاسي لكن تغيَّر نسق الحكم بتقريب العلماء ودعم الدِّين والعلم، فصار العلماء حجاباً للنَّاس من جور السلطان، ووفَّروا ملاذاً للمستضعفين تقوم مقام عمل المجتمع المدني اليوم، وذلك لاستقلاليَّتهم الفكريَّة والمادِّيَّة عن السلطان، فارتفع مكانهم لدى السلطان وخاف غضبهم الذي كان سيجرُّ عليهم غضب أتباعهم. ولم يتم ذلك إلا بارتفاع الوعي الدِّيني والإنساني بالحقوق لأنَّ حافَّة الحريَّة كانت أكبر منها في العهد الأموي فكثرت المؤلفات والاكتشافات العلمية. ونشأ بيت الحكمة ولم يفرِّق السلطان بين العلماء بل ساوى بين المسلم وغير المسلم لا يرفع مكانة العالم منهم إلا علمه ودرجة نفعه للإنسانية.

وأيضاً فقد توسَّعت الامبراطوريَّة الإسلاميَّة وانتفى الفقر والعوز. هذه الأسباب أدَّت لاستطالة العهد العبَّاسي إلى أن ساد التَّرف وغلب على ميل الملوك للدِّين والعلم وعندها صار التَّناقض المعرفي والسلوكي هو السائد خاصَّة عند الملوك يبكون خشوعاً أمام العلماء ويقتلون النَّفس التي حرَّم الله ظلماً من غير تردُّد، فضعفت قوَّتهم، وانتشرت الفوضى، وغزاهم الأعداء إلى أن انتهت مملكتهم على يد التَّتار.
لربما يظنُّ البعض أنَّ مفهوم التَّنافر المعرفي والسلوكي جديد ولكنَّه قديمٌ قِدَمِ الدِّين منذ اختبار سيدنا آدم عليه السَّلام في بداية الخلق.
فالذي حدث له كان تناقضاً بين ما عرفه وما فعله؛ ولذلك تنشأ حالة الاستغراب التي تخطر ببال النَّاس حين يقرؤون أو يسمعون قصَّة ما حدث. وتراهم يقولون نفس الشَّيء عندما يفعل شخصٌ ما أمراً لا يتَّسق مع طريقة تفكيره؛ كالذي يكون ظاهر التَّديُّن ويأتي مُنكراً فالنَّاس تتَّهمه بالنِّفاق، أو بالجنون، أو إن كانوا أكثر رحمة قالوا: "إنَّ لكلِّ جوادٍ كبوة".
وقد حُظِي المفهوم باهتمام علماء المسلمين وعُرف بتناسق أو تطابق السرُّ مع العلانية. فهذا ابن رجب الحنبلي رضي الله عنه يقول: "خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطَّلِعُ عليها النَّاس". فالمُحصِّلة لحياة شخصٍ اشتهر بصلاحه قد ترتبط بما في سرِّه من تناقضٍ معرفيٍّ وسلوكيٍّ لا يظهر إلا في خلوته مع نفسه، فهو يخشى النَّاس ولا يخشى الله كالثمرة التي تبدو ناضجة وجميلة ولكنَّها مُرَّة المذاق.
وهذا خالد بن صفوانٍ يقول في حسن البصري، رضي الله عنهما: "إنَّه امرؤ سريرته كعلانيَّته – واحدة – وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل النَّاس به، وإذا نهى عن منكرٍ كان أَترَك النَّاس له".
هذه قمَّة التَّناسق بين الفكر والسلوك لا يتأتَّى إلا بعد مجاهدة للنَّفس عظيمة.
أمَّا الباز الأشهب الإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه وأرضاه، فقد ألَّف كتاباً كاملاً في هذا الموضوع أسماه: "جلاء الخاطر في الباطن والظَّاهر".

ويظهر من عنوان الكتاب بوضوحٍ مفهوم التَّناقض المعرفي والسُّلوكي نتيجة تشويش الخاطر الذي يحتاج إلى جلاء حتى يتَّسِق الظَّاهر مع الباطن.
وهذا القول يلخص المسألة خاصة علاقة العالم أو المثقف بالسلطة:
" من أحب لله وأبغض لله، ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا".
وعليه يكون الإمام عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه أوَّل من صنَّفه علميَّاً ووضَّح جذوره وكيفيَّة علاجه فاسمع نصحه لتلميذٍ من تلامذته:
"ويحك كنْ عاقلاً لا تُزاحم النَّاس بجهلك، بعدما خرجت من الكُتَّابِ صَعِدتَ تتكلَّم على النَّاس بعد سواد المداد في يدك وثيابك، وترقَّيت تتكلَّم على النَّاس، هذا أمرٌ يحتاج إلى إحكام الظَّاهر والباطن، ثمَّ الفناء به عن الكُل". تأمَّل في جملة: "إحكام الظَّاهر والباطن".
ويقول مُنبِّهاً ومُرشداً:
"يا غلام: لا تشتغل بغسل ثيابك وتذر ثياب قلبك وسخة، اغسل قلبك أوَّلاً، ثمَّ اغسل الثَّوب ثانياً".
وقد رُبط هذا المفهوم بالنِّفاق كما قلنا من قبل، وجعل أقرب النَّاس إلى مفهوم النِّفاق هم أنصاف المتعلِّمين علماً ظاهراً لم يرسخ في وجدانهم فيُطهِّرُها من شهوات الحياة الدُّنيا أو يورثهم إدراكاً يزيد وعيهم ويفتح بصيرتهم ليروا الأشياء كما هي فيكونون من العلماء أو الرَّاسخين في العلم لا يقولون إلا حقَّاً ولا يفعلون إلا معروفاً. ويتَّضِحُ ذلك في قوله وتصنيفه للنَّاس:
"من المُتكلِّمين من يتكلَّم عن قلبه، ومنهم من يتكلَّمُ عن سرِّه، ومنهم من يتكلَّمُ عن نفسه وهواه وشيطانه. وعادة المؤمن أن يتفكَّر ثمَّ يتكلَّم، والمنافق يتكلَّم ثُمَّ يتفكَّر. لسان المؤمن وراء عقله ولسانه، ولسان المنافق أمام عقله وقلبه، والرَّسول صلى الله عليه وسلم يقول: "أخوَفُ ما أخاف على أُمَّتِي كلُّ منافقٍ عليم اللِّسان".
وفي العلوم النَّفسانيَّة الحديثة تنطبق نفس هذه المعايير على البشر. فالمولى عزَّ وجلَّ يقول: " خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ "، أي أنَّ الإنسان مُندفعٌ بطبيعته وفي حالة عَجَلة وهي طبيعته كطفل ولذلك ففعله يسبق تفكيره وهو يعني انتفاء حالة الرُّشد واستخدام الإنسان للعوامل النَّفسيَّة البدائيَّة مثل الإنكار أو العدوان.
ولكن مع نُموِّ ناصية الفصِّ الأمامي للمُخِّ بواسطة توجيه الوالدين؛ يبدأ الإنسان في التَّفكير قبل الفعل، ويبدأ أيضاً في تحليل منافع ومضارَّ الفعل قبل أن يقوم به وهو أوَّل مراحل الرُّشد.
ولكن هناك من يكبر ولا يتغيَّر ولا يلحق بقافلة الرُّشد مهما دارت عليه الليالي، بل إنَّ مرورها قد يكون خصماً عليه لا كسباً له، وتكون لديه صعوبة في تنظيم عواطفه التي تضْطَّرب مع كلِّ حدثٍ فينفعل أوَّلاً، ثمَّ يقوم بالفعل مباشرة بلا اهتمام بمآل الفعل، ولربما يُفكِّر لاحقاً.
ولذلك فأحكامه وعلاقاته تقوم على العاطفة وتُسبِّب مصاعب نفسيَّة جمَّة له ولأهله. ويكون ديدنه الدُّخول والخروج من علاقة إلى علاقة، ومن وظيفة إلى وظيفة، ومن مسكن إلى مسكن وأفعاله تتَّسمُ بالتطرُّف تتأرجح بين قُطبين.
ومن صفاته أيضاً عدم مقدرته على رؤية وجهة نظر الآخرين أو الإحساس بمشاعرهم، فهو عادةً يدور حول ذاته كأنَّها الكعبة الشريفة، وليس لديه عهدٌ، ويُكثر الكذب وتبرير الأفعال.
والعلاج النَّفساني الحديث يحاول أن يساعد مثل هذا الإنسان ليُنظِّم هذه المشاعر المضطَّربة بتمارين عقليَّة وعاطفيَّة وسُلوكيَّة، مثلما فعل الإمام عبد القادر الجيلاني ومن قبله الإمام الغزالي رضي الله عنهما.
وأكثر أسباب السلوك المتناقض مع المعرفة هو عدم اتِّساق التَّفكير مع العاطفة؛ لعدم ثبات العاطفة، ولذلك يُستخدم الأسلوب العلاجي المعرفي لتغيير أساليب التَّفكير الخاطئة التي تؤدِّي إلى نتائج خاطئة غير صحيَّة، والتي تنعكس بالتَّالي كسلوك مرضِي، أو بترويض العاطفة لتنسجم مع التَّفكير الصحيح وهذا لن ينفع إلا مع الصِّدق في النيَّة.
فالإنسان يمرُّ بستَّة مراحلٍ في دورة التَّغيير تبدأ بمرحلة الإنكار، وهي ما تُسمِّى بمرحلة ما قبل النيَّة للشروع في التَّغيير وفيها يبرِّر الشخص استمراره على السلوك المريض، ثمَّ تعقبها مرحلة نيَّة التَّغيير ويكون الإنسان أفضل بصيرة فيقتنع أنَّ سلوكه المريض مضرٌّ أكثر من نفعه، ولكن يتمُّ ذلك من خلال التَّفكير والمنطق العقلي لا المنطق العاطفي الذي هو أقوى، ولذلك تنتج حالة من التَّردُّد.
ثمَّ تعقبها مرحلة الاستعداد للتَّغيير وفيها يبحث الإنسان عن بديل مناسب يجنّبه مرارة الفقد لما ألفه واعتاد عليه، ثمَّ تجيء مرحلة الفعل وهنا يكون الحماس للتَّغير متأرجحاً حسب السياق، ولذلك لربما يؤدِّي لانتكاسة وهي المرحلة الخامسة، أمَّا المرحلة الأخيرة فهي صيانة الفعل الصحِّي الجديد بالوعي الحاد للمزالق والتَّعلُّم من التَّجربة السابقة.
ولذلك يقول الشَّيخ عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه عن المراحل الثلاثة الأولي باختصار:
"لا تكذب، فما لك قلبان، بل هو قلبٌ واحد، بأيِّ شيء امتلأ فما يسع فيه شيء آخر". فهو يطلب صدق النيَّة للتَّغيير ويطلب كذلك الخروج من مرحلة التَّردُّد بين فعلين وهما المداومة على السلوك المريض والرُّكون للإنكار الذي سيؤدِّي عاجلاً أو آجلاً للدَّمار والخسران، أو سلوك طريق مخالف رغم قسوته الأولي ففيه الشفاء والعافية.
ويقول ناصحاً: "إذا ابتُلي المُريد يحتاج إلى أستاذٍ يُطِبُّه في بلائه، يداويه بشربات الصَّبر والشُّكر، يأمره بأخذ شيء وترك شيء، يأمره بالإعراض عن نفسه وترك القبول منها، من صدَق صُحبة شيخه نفعه الله عزَّ وجلَّ عاجلاً أو آجلاً".
ودراسات العلاج النَّفساني لا تزيد عن هذا. فهي تُؤكِّدُ أنَّ أهمَّ عامل لفعاليَّة أي نوعٍ من العلاج النَّفساني هو نوعيَّة العلاقة التي تقوم بين المريض والمُعالج، وبغيرها لا يتمُّ علاج مهما ثبت فاعليَّة العلاج في الأبحاث، وأيضاً على برفع درجة الوعي بمضار النَّفس المريضة وكرهها للعلاج، ولذلك لن يتمَّ العلاج إذا لم تقم العلاقة بين المُعالج والمريض على الثِّقة.
وهذه العلاقة تقوم على عوامل مُحدَّدة وضعها العالم النَّفساني "كارل روجرز" لتُوفِّر البيئة الصالحة للعلاج وأوَّلها الصِّدق، ثمَّ الاهتمام الأصيلُ الـمُخلص بالمريض، والصراحة، والدِّفء الإنساني، والثِّقة، والمقدرة على تقمُّص إحساس وتفكير وسلوك المريض، وتوفير عاملي السلامة والأمان، ثُمَّ من بعد ذلك تتمُّ عمليَّة المعالجة التي تبدأ بالتَّغيير السلوكي؛ وهي إرشادات سُلوكيَّة للمريض تُعلِّمه مهارة حلَّ المشاكل ومنها كيفيَّة تنظيم عواطفه المُضطَّربة.
وما تفعله مدارس العلاج النَّفساني الحديث لا يختلف تماماً في أيٍّ من هذه الخطوات التي ذكرها الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، إذ أنَّه بعد توفير العوامل المساعدة على العلاج، فإنَّه ينتقل إلى الأفكار المُختلَّة ليضع الأشياء في حجمها الحقيقي وبذلك يُشجِّع المريد على الصَّبر عليها، وهو ترويض العاطفة وتنظيمها، ويُذكِّره بالأشياء التي يتوجَّب عليه شكرها أي أن يكون إيجابيَّاً وينظر إلى الجزء المليء من الكوب.
هذا هو التَّصحيح العقلي للمفاهيم وطُرق التَّفكير المُختلَّة، فالإعراض عن النَّفس المريضة وعدم القبول منها هما ما يُساعد المريض على وزن أفكاره في ميزان العقل الحكيم ليُنمِّي بصيرته، ويزيد إدراكه بأنَّ نفسه المريضة تُصوِّر له أشياء وتُزيِّنها على أنَّها الحقيقة أو شبه الحقيقة، فيختلط الفهم بجعل الوهم مكان الحقيقة، وبذلك يضطَّرب الفؤاد ويتبعه السلوك المُتناقض.
ومن بعد العهد العبَّاسي جاء العهد العسكري والذي استمرَّ حتى نهاية الدَّولة العثمانيَّة، رغم ما يرى الناس في الدولة العثمانية خلافة إسلامية ولكنَّها كانت في حقيقتها امبراطورية عسكرية استعمارية قامت على القوة الخشنة. والذين رأوها كخلافة إسلامية لأنَّها اتَّخذت الإسلام شعاراً وكانت في وقتها رمز قوَّة للمسلمين أعطتهم دفعة نفسية موجبة حاربت ضعفهم النفسي.
ثمّ تبع الدولة العثمانية، بعد هزيمتها وسقوطها بعد الحرب العالمية الأولي، العهد الاستعماري فتمَّت وثبتت بذلك التَّشوُّهات النَّفسيَّة، والسلوكيَّة، والاجتماعيَّة، والدِّينيَّة للإنسان المسلم في مناطق الاستبداد. وتخلَّف بذلك عن ركب الحضارة لاكتفائه بالتَّقليد والأيديولوجيَّة بدلاً عن الأصالة، ولسيادة الجهل وانعدام الرشد، وبخضوعه للقهر لأنَّ السلطان لم يكن يهمّه حال الإنسان ولكن كان همه الوحيد أن يبقى على كرسي الحكم وإن استخدم الدين وسيلة لا غاية. تمَّ هذا في مناطق الحضر خاصَّة أكثر من البادية التي ظلَّت في حالة ثبات نسبي لانعزالها عن العوامل المحيطة بها.
ومن أكثر الأسباب التي أدَّت إلى التَّخلُّف هو استقطاب العلماء ليكونوا في معيَّة السلطان كموظَّفين مثل تعيين المفتي، وبذلك فقد الإسلام الاستقلاليَّة الفكريَّة وتأثير صوت العلماء الأحرار من نفوذ الحاكم، وقد كان العلماء على مرِّ العهود صوت الفقراء وصوت الثورة.
هذا التَّدجين وظهور الإسلام الرَّسمي جعل الطرق الصوفيَّة تنعزل عن قضايا العامَّة وعن مواجهة الحاكم، وتغيَّرت أهدافها من نصر المغلوبين إلى تقديم خدمة مباشرة لمن ينتمون للطائفة، وللعداوة للمنافسين وبذلك ظهرت الطَّوائف والمذاهب العديدة تدَّعي امتلاكها للحقيقة المطلقة.
وتمَّ إيقاظ هذه المجتمعات من سباتها العميق بواسطة سطوة الآلة الغربيَّة القاهرة، كحال أهل الكهف، وعندما انتبهوا كان الزَّمان قد تجاوزهم، فاختلطت عليهم السُّبل، واستيقظت نفوسهم المشوَّهة المضطَّربة الغافلة كأنَّهم في سفينة متأرجحة تدفعهم موجة عاتية وتردَّهم أخرى بلا دليل، أو رؤية، أو اتِّزان، أو رُبَّانٍ ماهر خبير، فالتزم كلُّ فريقٍ منهم ما رأى فيه خلاصه، فإذا بقوارب النَّجاة القوميَّة، والشيوعيَّة، والبعثيَّة، والاشتراكيَّة، والاسلاميَّة تُلقي في محيط الأحداث، ولكن لم يصل قارب منهم لشطِّ الأمان بعد ولن تصل أبداً. فسادت الفوضى لأنَّ نشاط الجميع قام على الآراء والشعارات لا على الفكر والعلم والحكمة.
++++
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالى
ودمتم لأبي سلمى


إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 10:01 PM بتوقيت مسقط

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2019, vBulletin Solutions, Inc.
الاتصال بنا شبكة ومنتديات وادي شعير الأرشيف ستايل من تصميم ابو راشد مشرف عام منتديات المودة www.mwadah.com لعرض معلومات الموقع في أليكسا الأعلى